مستمرون في البناء عشوائياً

تشهد مناطق كثيرة من البلاد منذ نحو ثلاث سنوات، نمواً متسارعاً في عدد الأبنية السكنية المشادة حديثاً. واللافت أن جزءاً ليس بالقليل من الشقق السكنية في تلك الأبنية لا تزال شاغرة أو غير مباعة.
ليس الأمر بحاجة إلى كثير عناء لمعرفة السبب، إذ إن غياب قنوات الإدخار الإنتاجية وتقلبات سعر الصرف خلال سنوات الحرب دفع بأصحاب المدخرات إلى استثمارها في قطاع العقارات والبناء كما هو متعارف عليه منذ عدة عقود.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بمئات المليارات التي تُجمد سنوياً في هذا القطاع غير الإنتاجي، ولا في تجاهلها للأزمات الخدمية الحادة التي تعاني منها هذه المناطق كالنقص الحاد في المياه الصالحة للشرب، ومستوى النظافة المتدني، وسوء حال البنى التحتية..
المشكلة الأخطر على المدى البعيد تكمن في تكريس ظاهرة الخلل في توزع الكثافة السكانية، ففي الوقت الذي لاتزال فيه عشرات القرى والمناطق المدمرة بفعل الحرب على حالها تنتظر إعادة إعمارها، تزداد حركة البناء في مناطق أخرى بقيت آمنة وكانت ملجأ للمهجرين.
وأنا على قناعة أكيدة أن تراخيص البناء تعطى حالياً بشكل عشوائي، وبمعزل عن أية مؤشرات تتعلق بقدرة المنطقة على الإستيعاب، حجم الطلب على العقارات، وعامل الكثافة السكانية.
في مثل هذا الواقع نحن سنكون أمام احتمالين:
إما أن هذه الأبنية المشادة يوماً بعد يوم ستتحول إلى مجرد كتل اسمنتية غير مستثمرة فيما لو كتب لإعادة الإعمار أن تبدأ، وإما أن بعضها سيكون مسكناً دائماً للمهجرين والمهاجرين داخلياً فيما لو تعثرت عملية الإعمار أو تأخرت، وتالياً ستكون البلاد أمام أزمات جديدة ناتجة عن تمركز الكثافة السكانية في مناطق معينة من البلاد.
طبعاً في كل ذلك نحن نتحدث عن الأبنية المرخصة، ولم نتطرق إلى الأبنية المخالفة وما أكثرها.

طباعة المقال طباعة المقال