باحثون ورجال أعمال: لا مسوغ اقتصادياً لجنون الدولار… وتوقعات بانخفاضه في وقت قريب..

لا يوجد أي سبب اقتصادي يسوّغ ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية مؤخراً «جنون الدولار» في تعاملات السوق السوداء، بل على العكس من ذلك تماماً، فإن افتتاح منفذ نصيب الحدودي، وما رافقه من زيادة الطلب على الليرة، والتحسن في المناخ الاقتصادي والسياسي والأمني، والانفراجات، على مختلف الصعد، والحديث عن تسريح وعن افتتاح مزيد من المعابر، كلها عوامل تدعم الليرة، وترفع من قوتها في سوق الصرف، لذا ما من سبب رئيس سوى الذعر في السوق الذي قاده المضاربون عبر الإشاعات والتصريحات غير العلمية عبر فيسبوك، لتحقيق أرباح، ولأسباب أخرى ذات بعد سياسي.

هذا ما أكده الخبير في الشؤون النقدية وأسواق المال سامر كسبار  مبيناً أن انخفاض سعر الصرف نحو 10 بالمئة خلال الفترة الماضية، حيث ارتفع سعر صرف الدولار من 450 ليرة إلى نحو 495 وسطياً يوم أمس، إنما هو ناتج رئيس عن عمليات تحفيز الطلب في السوق، بجميع أشكاله، التجاري، بطبيعة الحال، لتمويل المستوردات، وما يسمى الطلب «البيتوتي» بلغة السوق، وذلك بمعنى تحول المواطنين إلى ادخار الدولار مجدداً، خوفاً من خسارة مدخراتهم بالليرة السورية، وبالتالي أصبح هناك ضغط من ناحية الطلب في السوق، بمستوى أعلى من الإيرادات الذاتية بالطرق الرسمية للدولار من خلال مبيع الدولار والحوالات نظراً لارتفاع الهامش بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء بنحو 30 ليرة.

كسبار أكد وجود أرضية تساعد عمل المضاربين في السوق، تتعلق بالقطاع المصرفي، إذ إن أغلب المصارف لا تقبل الودائع بالشكل المطلوب، وخاصة خلال الفترة الأخيرة، بانتظار التوسع بمنح القروض والتسهيلات، وبالتالي فإن الكثير من المدخرات هي سيولة بيد المواطنين، وبالليرة السورية، وبالتالي يسهل جذبها إلى سوق الصرف السوداء بمجرد تحريك السوق برفع الدولار، وإشاعة الذعر بخسارة قيمتها، وهذا يزيد الطلب «البيتوتي» على الدولار الذي ارتفع بشكل ملحوظ هذا الشهر، أضف إلى ذلك عدم تمويل جميع المستوردات عبر المصارف الخاصة، فاليوم قلة يمولون المستوردات وعلى نظام الكوتا، بمعنى أن يتم تمويل جزء من البوليصة وليس بالكامل، وهذا يعزز الطلب التجاري على الدولار في السوق السوداء، وهناك بعض المصارف توقفت كلياً عن تمويل المستوردات.

برأي كسبار، كل تلك العوامل تسهّل عمل المضاربات في السوق السوداء، لكنها ليست سبباً مباشراً لحدوث المضاربات، التي تظهر عند تحرك السوق خلافاً للمعطيات الأساسية المتعلقة بالوضع الاقتصادي والسياسي والأمني، مؤكداً أن الآلية بسيطة جداً، فعندما يزداد فرق سعر الدولار بين السوق الرسمية والسوداء بأكثر من عشر ليرات لمصلحة السوداء، يقل العرض في السوق الرسمية (المصارف وشركات الصرافة المرخصة)، ويزداد في السوق السوداء، لكن بالتوازي معه، يزداد الطلب بشكل أكبر في السوداء لقصور المصادر الرسمية على التمويل، فيزداد الطلب على العرض في السوداء، ويبدأ السعر بالارتفاع، وهنا، تبدأ الإشاعات بالانتشار عبر صفحات الفيسبوك لتحفز الطلب لدى المواطنين، حيث سوق الصرف القناة الوحيدة اليوم للادخار، وبالتالي يزداد السعر بشكل دراماتيكي، وهذا ما هو حاصل حالياً في السوق اليوم، فالجميع أصبح مهتماً بالدولار، والكل من داخل البلد وخارجه يسألون عن سعر الصرف.

ولكن، عند نقطة معينة، يبدأ السعر بالتراجع عند بدء عمليات جني الأرباح، فالمضاربون، وهم جزء مهم من العملية، غايتهم الرئيسة الربح، وهذا يتحقق عند البيع بعد شراء الدولار بهامش ربح مقبول في ظل المتغيرات، لذا وبمجرد انخفض الدولار 10 ليرات (إلى مستوى قرب 480 ليرة) فإن حالة ذعر معاكسة تبدأ بالظهور في السوق، حيث يزداد البيع لتقليص الخسائر، والعودة للاحتفاظ بالليرة، وبالتالي فإن عودة السعر إلى مستوى التوازن بين 450 و460 ليرة أمر مؤكد، وقد يحدث بسرعة في حال تدخل المصرف المركزي بأساليب مدروسة، وهو قادر عليها، من دون جلسات تدخل، إذ بإمكانه إجراء صدمة في السعر بتخفيضه دون 480 ليرة ليرة بالاتفاق مع بعض الشركات التي تتعاون معه، وهذا وحده كفيل بإعادة التوازن إلى السوق.

ولدى سؤاله عن ازدياد الطلب التجاري لتغطية مراكزهم التجارية قبل نهاية العام وإعداد الميزانيات، وانخفاض الدولار القادم من بعض المصادر في الأماكن تشهد تواجداً لمجموعات إرهابية مسلحة، أكد أن تراجع بعض المصارف قابله تأمين مصادر أخرى من خلال افتتاح منافذ حدودية، أما الميزانيات فهي تنجز بالليرة السورية، لكن يتم إغلاق المراكز لدى المستوردين، عبر إتمام الصفقات لإعادة الاستيراد من جديد مع نهاية العام، وهذا لا يساهم في زيادة الطلب على الدولار بشكل ملحوظ أبداً، فالمضاربة هي الأساس.

وفي الختام بين كسبار أن تحقيق الاستقرار في سوق الصرف في هامش تحرك مقبول، وعند سعر حقيقي، يتحقق عند عودة نشاط المصارف بقبول الودائع والإقراض وتمويل المستوردات، بالترافق مع التحسن في البيئة الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وفي السياق ذاته، بين رئيس اتحاد المصدرين محمد السواح أنه متوقع عودة التوازن إلى سعر الصرف قريباً، خاصة في ظل وجود عوامل اقتصادية داعمة لليرة، ومع نشاط الحركة عبر منفذ نصيب، والتي تعد أحد مصادر القطع الأجنبي، واصفاً ما يحدث في السوق بالذعر غير المسوّغ، موضحاً أن ما حدث كان صعوداً بطيئاً للدولار أمام الليرة مرتبطاً بزيادة الطلب التجاري، لتسديد ثمن صفقات مستوردة، ترتبط ببعض السلع الرئيسية، في بعض الفترات الماضية، ولكن تسارع الارتفاع مؤخراً في سعر صرف الدولار في السوق السوداء فإن سببه المضاربات، لتحقيق أرباح من ارتفاع السعر، لكن التوازن سوف يعود للسوق، وهذا أمر مؤكد، وسوف يخسر المضاربون.

 

«الوطن»

طباعة المقال طباعة المقال